ماذا يفعل مصمم المنتجات في البنك؟

ماذا يفعل مصمم المنتجات في البنك؟

هل لاحظت كيف يمكنك أحياناً إنجاز ما تريده عبر تطبيق أو موقع إلكتروني بسهولة، من دون أن تحتار في الخطوة التالية؟

هذه السهولة ليست صدفة، بل نتيجة الكثير من العمل والتفكير في أدق التفاصيل.

فمن ترتيب المعلومات إلى أماكن الأزرار وطريقة التنقل بين الشاشات، هناك قرارات كثيرة تُتخذ لتكون تجربتك واضحة وسلسة.

وهنا يأتي دور مصممي المنتجات.

تحدثنا مع محمد سمهوري، مدير تصميم المنتجات في بنك الاتحاد، لنتعرّف على طبيعة عمله، وكيف تتحول الأفكار إلى تجارب رقمية سهلة الاستخدام، والقصة التي قادته إلى هذا المجال.

يبدأ العمل قبل التصميم بوقت طويل

عندما تسمع عبارة “مصمم منتجات”، قد تتخيل شخصاً يقضي معظم وقته في اختيار الألوان وتصميم شاشات التطبيقات والمواقع الإلكترونية. لكن هذا ليس سوى جزء من عمله.

يوضح محمد أن تصميم المنتجات يجمع بين عدة مجالات، ويتطلب التعاون مع فرق إدارة المنتجات والمطورين وفرق تجربة العملاء وغيرها من الفرق داخل البنك.

ورغم ارتباط هذا المجال بتصميم واجهة المستخدم (UI) وتجربة المستخدم (UX)، فإن عمل مصمم المنتجات لا يقتصر على شكل الشاشات أو طريقة التنقل بينها.

فقبل أن يبدأ بالتصميم، عليه أن يفهم الهدف من المنتج، وما يحتاجه العملاء، وما يمكن تنفيذه من الناحية التقنية.

ولهذا، تبدأ العملية بالبحث وطرح الأسئلة واستكشاف الحلول المختلفة.

يقول محمد: “أحياناً تكون لديك فكرة مبتكرة، لكن عليك أن تسأل أيضاً إن كانت مناسبة فعلاً للسوق وللأشخاص الذين تصمم لهم.”

فليست كل فكرة تبدو رائعة على الورق مناسبة للتطبيق. قد يكون التصميم جذاباً، لكنه يحتاج إلى تقنيات يصعب على المطورين تنفيذها.

ويضيف: “الموضوع هو إيجاد توازن بين هدف المنتج، واحتياجات العملاء، وما يمكن تنفيذه تقنياً.”

من فكرة أولية إلى تجربة متكاملة

بعد فهم الهدف وتحديد الاتجاه، تبدأ مرحلة تحويل الأفكار إلى تصاميم.

أولاً، يتعرّف محمد على الأشخاص الذين سيستخدمون المنتج، من خلال البحث وتحديد فئات العملاء المختلفة، وإنشاء ما يُعرف بـ”شخصيات المستخدمين” (User Personas)، وهي نماذج افتراضية تمثل الأشخاص الذين يُصمم المنتج من أجلهم، وتساعد على فهم احتياجاتهم بشكل أفضل.

ثم ينتقل إلى تحديد رحلة العميل ومسار المستخدم. بمعنى آخر، ما الذي يريد العميل إنجازه؟ وما الخطوات التي سيمر بها للوصول إلى هدفه؟

بعدها، تبدأ الفكرة بأخذ شكلها الأول من خلال المخططات الأولية (Low-Fidelity Wireframes)، وهي رسومات بسيطة بالأبيض والأسود توضّح أماكن العناصر المختلفة، وكيف ترتبط الشاشات ببعضها.

وتساعد هذه المرحلة الفريق على تجربة أفكار مختلفة وتعديلها بسهولة، والتأكد من أن الخطوات واضحة ومنطقية قبل الانتقال إلى التفاصيل.

وبعد الاتفاق على المخططات، تبدأ مرحلة التصاميم التفصيلية (High-Fidelity Designs)، حيث تُضاف الألوان والأزرار والعناصر البصرية، ليصبح التصميم أقرب إلى الشكل الذي سيراه العميل في النهاية.

لكن قبل أن يتحول التصميم إلى منتج فعلي، هناك خطوة مهمة.

يُنشئ الفريق نماذج تفاعلية تتيح للأشخاص تجربة الشاشات والتنقل بينها، تماماً كما لو كانوا يستخدمون التطبيق أو الموقع الإلكتروني.

وهنا تبدأ مرحلة اختبار التجربة، التي قد تكشف تفاصيل لم ينتبه إليها أحد من قبل.

أحياناً، يخبرك العملاء بالكثير من دون أن يقولوا شيئاً

لفهم احتياجات العملاء، يستخدم مصممو المنتجات وسائل مختلفة، مثل الاستبيانات والمقابلات ومجموعات النقاش.

لكن ما يقوله العملاء ليس المصدر الوحيد للمعلومات. فأحياناً، تكشف طريقة استخدامهم للتصميم عن أمور لم يعبّروا عنها بالكلمات.

يوضح محمد: “أحياناً لا يقول الشخص أي ملاحظة، لكنك تستطيع أن ترى من تعبير وجهه أنه يشعر بالحيرة. وهذه إشارة إلى أن هناك شيئاً لا يعمل كما يجب، وأن علينا العودة وتحسينه.”

فما يبدو واضحاً تماماً للشخص الذي صممه، قد يكون مربكاً لشخص يستخدمه للمرة الأولى.

قد يتوقف العميل عند خطوة معينة، أو يبحث عن زر في مكان مختلف، أو يحتاج إلى وقت أطول مما كان متوقعاً لإنجاز مهمة بسيطة.

كل هذه التفاصيل تساعد المصممين على معرفة ما يحتاج إلى تحسين.

ولهذا، من المهم اختبار التصاميم مع أشخاص حقيقيين، بدلاً من افتراض أن الجميع سيستخدمونها بالطريقة نفسها.

وكما يقول محمد: “الهدف ليس فقط تصميم شيء جميل، بل التأكد من أن الناس يستطيعون استخدامه فعلاً.”

ماذا يحدث عندما تختلف الآراء حول التصميم؟

لكل شخص ذوقه الخاص، وهذا يظهر بوضوح عندما يتعلق الأمر بالتصميم.

قد يفضل أحدهم لوناً معيناً، ويرى آخر أن ترتيب العناصر يجب أن يتغير، بينما يقترح شخص ثالث وضع الزر في مكان مختلف.

لكن كيف نعرف أي خيار هو الأفضل؟

يقول محمد: “لكل شخص تفضيلاته الخاصة عندما يتعلق الأمر بالتصميم، لكن لا يمكننا اتخاذ القرارات بناءً على الذوق الشخصي. علينا الرجوع إلى الأبحاث وملاحظات المستخدمين.”

فبدلاً من الاعتماد على ما يعجب كل شخص، يعود الفريق إلى نتائج الأبحاث وتجارب العملاء لمعرفة ما يجعل استخدام المنتج أسهل وأكثر وضوحاً.

وهناك أيضاً نظام تصميم معتمد يساعد على اتخاذ هذه القرارات.

ويضيف: “لدينا أيضاً نظام تصميم معتمد، يحدد إرشادات لعناصر مثل الأزرار والألوان وترتيب الصفحات، لذلك لا نبدأ باتخاذ كل قرار من الصفر. وهذا يساعدنا على تقديم تجربة متناسقة للعملاء.”

وبذلك، لا يضطر العميل إلى تعلّم طريقة جديدة في كل مرة يستخدم فيها خدمة مختلفة، بل يجد تجربة مألوفة ومتناسقة.

لماذا يحتاج التصميم البسيط إلى كل هذا العمل؟

قد تنظر إلى شاشة تحتوي على بضعة أزرار وتعتقد أن تصميمها لا يحتاج إلى الكثير من الوقت.

لكن الوصول إلى هذه البساطة قد يتطلب ساعات طويلة من البحث والتجربة والتعديل.

يقول محمد: “أحياناً لا يدرك الناس حجم الوقت والجهد المطلوب لتصميم شيء يبدو بسيطاً. فقد يكون هناك الكثير من المسارات والتفاصيل التي يجب التفكير فيها قبل الوصول إلى التصميم النهائي.”

لنأخذ بطاقة البنك مسبقة الدفع ومتعددة العملات مثالاً.

بالنسبة للعميل، قد تبدو عملية تغذية البطاقة أو التحويل بين العملات أو معرفة الرصيد خطوات بسيطة ومباشرة.

لكن خلف هذه التجربة، كان على الفريق التفكير في كل التفاصيل. ما المعلومات التي يحتاجها العميل في كل مرحلة؟ وأين يتوقع أن يجدها؟ وما الخطوات التي قد تسبب له الحيرة؟

وكلما زادت هذه التفاصيل، زادت أهمية الجمع بين مهارات مختلفة.

فمصمم المنتجات يحتاج إلى التفكير بصرياً وتحليلياً في الوقت نفسه، وأن يضع نفسه مكان العملاء، بمن فيهم الأشخاص الذين لا يستخدمون التكنولوجيا كثيراً، حتى يتمكن الجميع من الاستفادة من الخدمات بسهولة.

وهذا مهم بشكل خاص في القطاع البنكي.

فالعملاء يعتمدون على الخدمات البنكية الرقمية في الكثير من أمورهم اليومية، من دفع الفواتير إلى تحويل الأموال لعائلاتهم. لذلك، يجب أن تكون التجربة واضحة وسهلة، سواء كان العميل يفتح حسابه الأول أو يستخدم خدمات البنك منذ سنوات.

هل غيّر الذكاء الاصطناعي طريقة عمل مصممي المنتجات؟

مع تطور الذكاء الاصطناعي، بدأت أدوات جديدة تدخل إلى عالم تصميم المنتجات، وتساعد المصممين على إنجاز بعض المهام بوقت أقل.

يرى محمد أن هذه الأدوات يمكن أن تكون مفيدة في البحث واستكشاف الأفكار وإنشاء النماذج الأولية التي قد تحتاج عادةً إلى وقت أطول.

لكن هل يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يستطيع القيام بعمل المصمم؟

ليس تماماً.

يوضح محمد: “مصمم المنتجات ليس مجرد شخص ينفذ التعليمات. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا في إيجاد أفكار واستكشاف حلول مختلفة، لكن يبقى علينا تقييم هذه الاقتراحات، ومقارنة إيجابياتها وسلبياتها، وتحديد ما يناسب الأشخاص الذين سيستخدمون المنتج فعلاً.”

فالذكاء الاصطناعي قد يقترح حلولاً كثيرة، لكن اختيار الحل المناسب يحتاج إلى فهم احتياجات العملاء وأهداف المنتج والتحديات التي قد تواجه تنفيذه.

وبالنسبة لمحمد، تبقى هذه القرارات جزءاً أساسياً من دور مصمم المنتجات.

كيف انتقل محمد من تطوير البرمجيات إلى تصميم المنتجات؟

لم يبدأ محمد مسيرته المهنية وهو يخطط لأن يصبح مصمم منتجات.

فقد درس علوم الحاسوب، وتعرّف للمرة الأولى على هذا المجال خلال مساق عن التفاعل بين الإنسان والحاسوب (Human-Computer Interaction)، الذي فتح أمامه باباً جديداً لفهم العلاقة بين الأشخاص والتكنولوجيا.

وبعد تخرجه، بدأ العمل كمطوّر برمجيات، لكنه اكتشف مع الوقت أن هناك جانباً آخر يستمتع به أكثر.

يتذكر محمد: “لأنني كنت أعمل ضمن فرق صغيرة، كنت أعمل على أكثر من جانب. كنت أعمل في تطوير الواجهات الأمامية، وفي الوقت نفسه كنت أشارك في بعض أعمال التصميم. ومع الوقت، اكتشفت أنني أستمتع بجانب التصميم أكثر.”

ومن هنا، بدأ اهتمامه بتصميم المنتجات يكبر، إلى أن قرر الانتقال إلى هذا المجال.

وقد ساعدته خلفيته في البرمجة على فهم الجانب التقني من العمل، بينما أتاح له التصميم التركيز على ما يهمه أكثر: كيف يمكن جعل التكنولوجيا أسهل وأكثر فائدة للأشخاص الذين يستخدمونها؟

وهكذا، جمع محمد بين خبرته التقنية واهتمامه بتجربة المستخدم، ليواصل مسيرته في تصميم المنتجات وصولاً إلى دوره الحالي مديراً لتصميم المنتجات في بنك الاتحاد.

في النهاية، ما الذي يجعل التصميم جيداً؟

بالنسبة لمحمد، لا يُقاس نجاح التصميم بجماله فقط، بل بقدرته على حل مشكلة حقيقية وتسهيل حياة الأشخاص الذين يستخدمونه.

قد يكون الحل في إزالة خطوة غير ضرورية، أو ترتيب المعلومات بطريقة أوضح، أو تغيير شيء اعتقد الفريق أنه سهل، حتى اكتشف من تجربة العملاء أنه يحتاج إلى تحسين.

فكل تفصيل، مهما بدا صغيراً، يمكن أن يحدث فرقاً في التجربة.

وهذا ما يسعى إليه مصممو المنتجات في بنك الاتحاد: أن يتمكن العملاء من إنجاز معاملاتهم البنكية بسهولة ووضوح، من دون خطوات معقدة أو حيرة.

لأن التصميم الجيد لا يجعلك تفكر كثيراً في كيفية استخدامه.

بل يساعدك على إنجاز ما تحتاج إليه، ببساطة.

هل كان هذا المقال مفيدًا؟
انضم إلينا في رحلة التحسين المستمرة! نحن جاهزون لسماع ملاحظاتك واستيعاب أفكارك وتحويلها إلى محتوى حتماً ستستمتع به!